ميثاق الأسرة في الإسلام.. وضعته اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل IICWC
نصوص مواد ميثاق الأسرة في الإسلام
الباب الأول: مبادئ وقيم ومفاهيم عامة
الباب الثاني: مسئولية الأمة عن تكوين الأسرة وحمايتها
الباب الثالث: بين الزوجــــــين
الباب الرابع: حقوق وواجبات الطفل في الإسلام
الباب الخامس: من الأسرة الصغرى إلى الأسرة الكبرى
مبادئ وقيم ومفاهيم عامة
الفصل الأول
رسالة الإنسان الربانية
مــادة (1)
عبادة الله وعمارة الأرض
كَرَّمَ الله الإنسان وَفَضَّلَهُ على كثير من خلقه، واستخلفه في الأرض لِيُعَمِّرَهَا بالسعي فيها لتلبية حاجاته البدنية والروحية، ولإقامة مجتمع إنساني تَسُودُهُ القِيَم الْمُثْلى من الحق والخير والعدل، ولتحقيق معاني العبودية لله والإيمان به وحده، وإفراده بالطاعة والعبادة دون أحد من خلقه على منهج أنبيائه ورسله.
مــادة (2)
تأهيل الإنسان لحمل الرسالة
تحقيقًا لرسالة الإنسان في الأرض، وَهَبَه الله من القدرات العقلية والنفسية والجسدية ما يجعله أهلاً لتحقيق هذه الرسالة، وأرسل إليه الرسل لهدايته إلى أقوم سبل الرشد والفلاح في الدنيا والآخرة.
---------------
الفصل الثاني
الفطرة الإنسانية والسنن الكونية
مــادة (3)
امتــــلاك العقل وإرادة التغــــــيير
خلقَ الله الإنسان مفطورًا على الإيمان به سبحانه وتعالى، ومَنَحَهُ العقل والإرادة الذي يستطيع بهما: إما الانحراف عن فطرته أو الارتقاء بقدراته حسب مكتسباته المعرفية، وملكاته الروحية، وظروفه الاجتماعية، وهذه الإرادة هي مناط الجزاء الأخروي ثوابًا أو عقابًا.
مــادة (4)
التساوي في أصل الخلْق وتنوُّع الخصائص
خلق الله البشر جميعًا متساوين في أصْل الخلْق من نَفْسٍ واحدة، ويتساوون تبعًا لذلك في الخصائص العامة، ومع ذلك اقتضت حكمة الله أن يتفاوتوا في بعض الخصائص كالقوة والضعف، وفي الملكات والقدرات النفسية والعقلية والجسمية.
وهذا التنوع البشري في بعض الخصائص هو قوام الحياة بالتعارف والتعاون والتكامل بين الأفراد والمجتمعات، وليس مدعاة للعداوة والتباغُض.
مــادة (5)
تكامل الزوجين: الذكر والأنثى
مع وحدة الإنسان في أصل الخَلْقِ من نَفْسٍ واحدة، فقد خلق الله منها بقدرته زوجين ذكرًا وأنثى، ولا تستمر الحياة وتَعْمُرُ الأرض ويَتَكاثَر النوع الإنساني إلا بتلاقيهما وتعاونهما وتكاملهما، وتلك هي سنة الله في جميع الكائنات والأشياء الدنيوية
ومن الرابطة بين الرجل والمرأة تتكون الأسرة، وهي النواة الأولى للمجتمع الإنساني.
----------------------
الفصل الثالث
وحدة الخطاب الشرعي والتمايز في الوظائف
مــادة (6)
وحدة خطاب التكليف والمساواة في الحقوق والواجبات العامة
تقتضي المساواة بين الرجل والمرأة في فطرة الخَلْق الطبيعية أمرين:
أولهما: المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الأغلب الأعمّ من شئون الحياة، واعتبارُ كلٍّ منهما مُكَمِّلاً للآخر ومُتمِّمًا لرسالته، وشريكًا له في الحياة الزوجية والاجتماعية عدا بعض الخصوصيات المُمَيِّزة لكلٍّ منهما في تكوينه البدني والنفسي فيختص كلٌّ منهما بما تَمَيَّز فيه.
الثاني: اتَّساقًا مع هذا الأصل، جاء الخطاب الشرعي مُوَحَّدًا يتناول كلاًّ من الرجل والمرأة في سائر الأمور التي يتساويان فيها كالتكليف بالأوامر والنواهي، وفي الحلال والحرام والثواب والعقاب، وفي الحقوق والواجبات الإنسانية العامة، وفي الكرامة البشرية، كما جاء هذا الخطاب خاصًّا بكلٍّ منهما في الأمور الخاصَّة به.
مــادة (7)
تَنَوُّع التَّخَصُّصَـــــات
إنَّ تَمَايُزَ كلٍّ من الرجل والمرأة بخصائص وملكات وقدرات بدنية ونفسية معينة لا تجعل أحدَهما أعلى شأنًا من الآخر؛ ولكنه مَنُوطٌ بصلاحِيَّتِه لأداءِ وظائفَ حياتيةٍ وحيوية معيّنة لا يستطيع الآخر القيام بها، وهي سُنَّة الله في البشر كافَّة حتى بين الرجال وبعضهم والنساء وبعضهن.
فالمرأة بعاطفتها ورقّتها وأنوثتها مصدر الاستقرار والسَّكَن النفسي والاجتماعي للرجل والأسرة، وبفطرتها وصبرها غير المحدود على مشاقِّ الحمل والولادة والأمومة، ترعى أطفالهما وتعتني بهم رضاعة وتربية وتقوم على سائر شئونهم، والرجل بقوّته وجَلَده وكَدْحه المتواصل منوط به تحصيل الرزق وتلبية احتياجات أسرته، والقيام على رعايتها وحمايتها.
مــادة (8)
توزيع المسئوليات وتَمَايُز المراكز القانونية
إنَّ العدالة والمصلحة تستوجب مراعاة هذه الخصائص الفطرية الطبيعية لكلٍّ من الرجل والمرأة في توزيع المسئوليات والتبعات والوظائف التي يؤديها كلٌّ منهما في الحالات التي تقتضيها؛ وهو ما يؤدي حتمًا إلى تَمَايُز المركز القانوني لكلٍّ من الرجل والمرأة في نطاق هذه الحالات دون غيرها.
والأسرة من أهم الميادين التي تبرز فيها تلك الفروق والملكات والمُكَوِّنات الخِلْقِيَّة البدنية والنفسية لكل من الرجل والمرأة.
مــادة (9)
صلاح المجتمع في الإقرار بالخصائص الفطرية
إن التَنَكُّر لهذه الفروق والخصائص غير جائز عقلاً وطبعًا وشرعًا؛ لما فيه من امتهان للفطرة وإنكار لظواهر طبيعية متجسدة واقعًا وعملاً ومعلومة للكافة بالعلم اليقيني والمعملي.
كما لا يجوز شرعًا التوسع في إعمال هذه الفوارق بِمَدِّهَـا خارج نطاق الحالات التي تستوجبها الشريعة أو تشهد لها الفطرة لما فيه من ظلم للمرأة وافتئات على أحكام الشريعة، و لأن كِلا الأمرين يؤدي إلى فساد كبير وخلل مجتمعي وقيمي يهدد بتدمير المجتمع ولو طال الأمد.
ولم يَحْظَ نظام اجتماعي بالعناية والتفصيل في القرآن الكريم بمثل ما حَظِيَت به الأسرة في كل شئونها على النحو الوارد تفصيلاً في الأحكام الشرعية.
الفصل الرابع
الزواج ونظام الأســـرة
مــادة (10)
تعريــــــــف
الزواج في الإسلام: رابطة شرعية محكمة بين رجل وامرأة على وَجْهِ الدوام والاستمرار، وتنعقد بالرضاء والقبول الكامل منهما وفْق الأحكام المُفَصَّلة شرعًا.
مــادة (11)
تحريم الاقتران غير الشرعي
الزواج الشرعي: هو الوسيلة المحدَّدَة على سبيل الحصر لإباحة اقتران الرجل بامرأة والأساس الوحيد لبناء الأسرة.
وقد حَرَّمَ الإسلام كافّة الصور الأخرى للعلاقة بين الرجل والمرأة ولو سُمِّيت زُورًا باسم الزواج، كما حَرَّمَ كافّة الدواعي المؤدية إليها.
مــادة (12)
تطور مظاهر الزواج بِرُقِيّ الإنسان
خَلْقُ الإنسان من ذكر وأنثى، يكشف عن الإرادة الإلهية في جَعْلِ الزواج فطرةً بشريةً وضرورةً اجتماعيةً ونظامًا أساسيًا لتكوين الأسرة والترابط الاجتماعي بين الأسر.
وقد تطورت مظاهر الزواج ووسائله بمقدار رُقِيّ الإنسان عن باقي المخلوقات وأصبح طريقًا لتزكية الجوانب الجنسية والسلوكية والاجتماعية في الإنسان.
مــادة (13)
نطاق الأسرة
الأسرة في الإسلام لا تقتصر على الزوجين والأولاد فقط، وإنما تمتد إلى شبكة واسعة من ذَوِي القُرْبى من الأجداد والجدات والأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم ممن تجمعهم رابطة النسب أو المصاهرة أو الرضاع أينما كان مكانهم، وتَتَّسِع حتى تشمل المجتمع كله.
مــادة (14)
أهمية الأسرة وضرورة وجود رئيس لها
الأسرة كمجموع بشري من ذكر أو أنثى: هي اللبنة الأولى والوحدة الاجتماعية الأساسية للمجتمع، وتتجسّد فيها أركان المجتمع ومقوماته البنائية، ومهما صَغُر حجمُها أو عددُ أفرادها فإنهم يرتبطون بعلاقات عاطفية واجتماعية ومالية وتُنَظّمهم حقوق وواجبات، فلا يستقيم أمرها دون قيادة تدير شئونها وهي: قوامة الرجل، وهي إدارة خاضعة للضوابط والأحكام الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله ×.
مــادة (15)
حكمة تحريم زواج المحارم
حَرَّمَ الإسلام زواج المحارم من النساء وهم الذين يرتبطون بدرجة معينة من قرابة النسب أو المصاهرة أو الرضاعة، سُمُّوا بهذه القرابة وحرصًا على حسن صلتها وعدم قطيعتها، ووقاية لها من أسباب الخصومة والبغضاء.
الفصل الخامس
مقاصـــد الأســـرة
مــادة (16)
حفظ النسل (النوع الإنساني)
المقْصِد الأول للأسرة في الشريعة الإسلامية هو حفظ النسل أو النوع الإنساني؛ تعميرًا للأرض، وتواصلاً للأجيال، وقد فطر الله الرغبة الجنسية في الأبدان لكونها الوسيلة الطبيعية للإنجاب المشروع، وليست غاية في ذاتها.
وتحقيقًا لهذا المقْصِد قَصَرَ الإسلام الزواج المشروع على ما يكون بين ذكر وأنثى، وحَرَّمَ كل صور اللقاء خارج الزواج المشروع، كما حَرَّمَ العلاقات الشاذة التي لا تؤدّي إلى الإنجاب، ولم يُجِزْ تنظيم النسل إلا بموافقة الزوجين.
مــادة (17)
تحقيق السكن والمودة والرحمة
حتى لا تنحصر العلاقة بين الزوجين في صورة جسدية بحتة، فقد نَبَّهَتْ الشريعة إلى أن من مقاصد هذه العلاقة أن يسكن كل من الزوجين إلى الآخر، وأن تتحقق بينهما المودة والرحمة.
وبذلك تُؤَمِّن الشريعة لكل أفراد الأسرة حياةً اجتماعيةً هانئةً وسعيدة قوامها المودة والحب والتراحم والتعاون في السراء والضراء وتُحَقِّق الاستقرار والسكن النفسي والثقة المتبادلة.
وشَرَعَتْ لتحقيق هذا المقصد أحكامًا وآدابًا للمعاشرة بالمعروف بين الزوجين، وغير ذلك من الأحكام التي تُوَفِّر الجوَّ العائليّ المملوء دفئًا وحنانًا، ومشاعر راقية.
مــادة (18)
حفــظ النســب
انتساب الإنسان إلى أصله ونقاء الأنساب وصيانتها من الاختلاط، مَقْصِدٌ للشريعة مستقل عن مَقْصِد حفظ النسل.
ولأجل تحقيق هذا المقصد حرم الإسلام الزنا والتَّبَنِّي، وشُرِعَتْ الأحكامُ الخاصة بالعِدَّةِ، وعدمِ كَتْمِ ما في الأرحام، وإثباتِ النسب وجحدِه، وغيرِ ذلك من الأحكام.
مــادة (19)
الإحصــــــــــان
يوفر الزواجُ الشرعي صَوْن العفاف ويحقق الإحصان ويحفظ الأعراض، ويسدّ ذرائع الفساد الجنسي بالقضاء على فوضى الإباحية والانحلال.
مــادة (20)
حفظ التدين في الأسرة
الأسرة هي محضن الأفراد، لا برعاية أجسادهم فقط، بل الأهم هو غَرْس القيم الدينية والخُلُقية في نفوسهم، وتبدأ مسئولية الأسرة في هذا المجال قبل تكوين الجنين بحُسْن اختيار كلّ من الزوجين للآخر، وأولوية المعيار الديني والخلقي في هذا الاختيار، وتستمر هذه المسئولية بتعليم العقيدة والعبادة والأخلاق لأفراد الأسرة وتدريبهم على ممارستها، ومتابعة ذلك حتى بلوغ الأطفال رُشْدهم واستقلالهم بالمسئولية الدينية والقانونية عن تصرفاتهم.
مسئولية الأمة عن تكوين الأسرة وحمايتها
الفصل الأول
مسئولية الأمة عن تشجيع الزواج
مــادة (21)
أسـاس هذه المسئولية
تقوم مسئولية الأمّة عن أفرادها في الإسلام على أساس ارتباط الكلّ بالجزء، والكيان الواحد بأعضائه، فالأمة تتكون من أُسَر مترابطة ومتماسكة كالجسد الواحد، لا من أفراد منفصلين، ولا يتم ذلك إلا عن طريق الزواج.
والأمة الراشدة هي التي تعنى بوضع الخطط والمناهج الصالحة لتشجيع الزواج والتبكير به حرصًا على ارتقائها وقوتها الذاتية وسدًّا لأبواب الرذيلة.
مــادة (22)
تيسير سبل الزواج الشرعي
توجب الشريعة الإسلامية على الأمّة تيسير سبل الزواج الشرعي وتذليل العقبات والصعاب الصارفة عنه ومن ذلك:
1- حلّ المشكلات المادية، وبالأخص مشكلة البطالة، وأزمة المساكن، وتقديم المعونة المادية لراغبي الزواج.
2- الارتفاع بوَعْيِ الأمة بإدراك أهمية الزواج في الإسلام، وبحَقّ الأفراد في الارتباط بالزواج.
3- الدعوة والتأكيد على السلوك الإسلامي المتوازن بالالتزام بالضوابط الشرعية للاختلاط المباح شرعًا، وأن يكون وسَطًا بين الإفراط والتفريط والتضييق والانفلات.
4- التأكيد على عدم المغالاة في المهور والإسراف في حفلات الزواج، ومحاربة العادات الاجتماعية السيئة في مجال الزواج، واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بمنع هذه المظاهر والحَدّ منها.
مــادة (23)
الحــثّ على تزويج الشباب
تحثّ الشريعة الإسلامية على التبكير بزواج الشباب؛ درءًا لدواعي الانحراف الأخلاقي والجنسي.
الفصل الثاني
مسئولية الأمة عن حماية الأسرة ورعايتها
مــادة (24)
أساس هذه المسئولية
تقوم هذه المسئولية على دعامتين:
الأولى: أنها تحقق مقصدًا شرعيًا؛ لأن الإسلام يقضي بأن الأصل في الزواج التأبيد وفي الأسرة البقاء والدوام، وإتمامًا لواجب التشجيع على الزواج الذي لا يستوفي مقاصده الشرعية إلا ببقاء الأسرة بالذود عنها ورعايتها.
الثانية: أن الأمة عندما تحمي الأسرة من عوامل الانهيار والتفسُّخ إنما تحمي نفسها وقيمها الاجتماعية والأخلاقية.
مــادة (25)
التوازن بين الحقوق والواجبات
استيفاء عقد الزواج بتحديد شروط كلٍّ من الزوجين بدقّة ووضوح ومراعاة العدالة والتوازن بين حقوق وواجبات كلٍّ منهما وفق الأصول والضوابط الشرعية، ضرورة لحماية الحياة الأسرية وبقائها.
مــادة (26)
توثيق عقد الزواج
توثيق عقد الزواج بطريق رسمي يحقق مصلحة شرعية واجتماعية؛ درءًا لإنكار العلاقة الزوجية وحفاظًا على حقوق الزوجة والأولاد.
مــادة (27)
الإشهاد على عقد الزواج وإعلانه
اشتراطُ الشريعة الإشهاد على عقد الزواج، إشراكٌ للأمة في بناء الأسرة وعلامةٌ فارقة بين المشروع والمحظور في العلاقة بين الرجل والمرأة، واستحباب الإعلان عنه إشهارٌ للعقد وإقرارٌ اجتماعيٌّ بقيام أسرة جديدة.
مــادة (28)
قــيد الموالــيد
قيد المواليد لدى الجهة المختصة يكفل انتساب كل طفل إلى أبويه، ويضمن قيام أسرة صحيحة وثابتة الانتماء، كما يحقق انتماءَ الفرد إلى مجتمعه ووطنه، واحترامَ المجتمع والوطن لحقوق الفرد.
مــادة (29)
محاربة الأشكال غير المشروعة للزواج
حماية الأمة للقيم الخُلُقية والاجتماعية الفاضلة ومحاربة العلاقات الجنسية وأشكال الزواج غير المشروعة، تحمي الأسرة من الانهيار، وتحقق لها السعادة والاستقرار لتصبح المحضن الصالح للنشء الجديد، كما تنمّي الإقبال على الزواج المشروع.
مــادة (30)
التصدي للأفكار المنحرفة
يجب على الأمة التصدّي للأفكار المنحرفة التي تجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صراع وتنافس، وشركة مادية يتحقق كسْب كل من طرفيها بخسارة الطرف الآخر، ونشر الوعي بأن العلاقة بينهما علاقة تعاون وتكامل.
مــادة (31)
إشاعة الوعي بقيمة العلاقة الزوجية وآدابها
إشاعة الوعي بقيمة العلاقة الزوجية في الإسلام وقيامها على المودة والرحمة والاستقرار النفسي والمشاركة في حَمْل الأعباء والتشاور في أمور الحياة الزوجية، يحمي الأسرة من أسباب الخلاف والشقاق.
الفصل الثالث
وســائل حماية الأســـــــرة
المبحث الأول :الــوازع الدينـي
مــادة (32)
بناء الأسرة على مبادئ الدين
قيام البناء الأسري عند اختيار كل من الزوجين للآخر على مبادئ الدين وقواعده، ترسيخ لهذا البناء واستدامته.
مــادة (33)
اهتمام الشريعة بعقد الزواج
لأهمية الأسرة في بناء المجتمع، تجعل الشريعة لعقد الزواج أهمية خاصة وتحيطه بضوابط تفصيلية وشروط أشدّ وأكثر من سائر العقود الأخرى.
مــادة (34)
تبغيض الطلاق وتضييق أسباب الفرقة
تحرص الشريعة على تضييق أسباب الفرقة، وتبغيض الطلاق والتنفير منه، وعلى ترغيب كل من الزوجين في الحرص على البناء الأسري بأقصى قدْر من الصبر والتحمل.
كما تفرض لحل الخلاف بين الزوجين آليات ووسائل متعددة تضمن عدم التسرّع في افتراقهما.
مــادة (35)
أهمية النسل في تثبيت الزواج
الشريعة الإسلامية تعتبر النسل من أهم مقاصد الزواج، ووجوده مدعاة لعدم إقدام أيٍّ من الزوجين على فَصْم عُرَى الزوجية.
مــادة (36)
رقابة الضمير واستشعار رقابة الله
يتميز الوازع الديني عن الوازعين الاجتماعي والسلطاني، بتأثيره البالغ على الضمير الإنساني واستشعار رقابة الله والجزاء الأخروي ثوابًا وعقابًا، فيكون عاصمًا من فَصْم عُرَى الزواج أو ظلم المرأة، وذلك حيث تعجز الإجراءات العملية، وفي الحالات التي لا يَطَّلع عليها الناس.
----------------------
المبحث الثاني : الــــوازع الاجتماعــي
مــادة (37)
تأثر الأسرة بالمجتمع
الأسرة جزء من المجتمع، وتتأثر حتمًا بالضوابط والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع.
مــادة (38)
تأثُّر إجراءات الزواج بالعادات والتقاليد
العلاقات الأسرية السابقة على الزواج والناشئة عنه، ومقدمات الزواج ومعايير الكفاءة بين الزوجين وعوامل نجاح الحياة الزوجية، تتأثر بالعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، ويجب أن تتشكّل وفْق الضوابط والقيم الاجتماعية في الإسلام.
مــادة (39)
تدخُّل أهل الزوجين في الزواج
يتدخل أهل الزوجين في مشروع الزواج بقدر ما تفرضه تقاليد الواقع الاجتماعي، وينبغي الحدّ من هذا التدخل قدر المستطاع وفق الضوابط الشرعية، مع إشاعة الاستمساك بالقيم والأخلاقيات الإسلامية في الارتقاء بالعلاقة بين كل من الزوجين وأهل الطرف الآخر.
مــادة (40)
الجيران ومدى تأثيرهم
العلاقات الاجتماعية بين الأسر المتجاورة تحكمها الأسس الاجتماعية السائدة، ويؤدي الجيران دورًا فعالاً في وجود المشكلات الأسرية وفي حلِّها، وبناء العلاقة مع الجيران على المبادئ والقيم الإسلامية يساعد على بقاء الأسرة وتماسكها.
مــادة (41)
التكافل الاجتماعي في الأسرة
التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة يؤدي دورًا رئيسيًا في ترابطها ودوامها.
مــادة (42)
أهمية المؤسسات الأهلية
للمؤسسات الأهلية دور فعّال في أمور الأسرة، يتسع هذا الدور ليشمل مؤسسات:
1- للتشجيع على الزواج وتيسيره.
2- للتوعية بالأحكام الشرعية المتعلقة بالأسرة وبالدراسات الاجتماعية والنفسية المتعلقة بها.
3- لرعاية الأمومة والطفولة والمسنّين والزوجات في الخلافات الزوجية ومشكلات الشباب مع الآباء والأمهات.
4- لإقامة مجالس الصلح بين أفراد الأسرة.
5- دور الحضانة والمدارس ووسائل الإعلام والمساجد تمثل التربية الخارجية التي تشكّل أفراد الأسرة من داخل نفوسهم، فينبغي الاهتمام بها وتمكينها من حُسْن القيام بأدوارها التربوية الصحيحة التي تلائم مبادئ الإسلام.
----------------------
المبحث الثالث : الـــوازع الســلطاني
مــادة (43)
معيار نجاح التشريعات القانونية
معيار نجاح التشريعات القانونية المنظمة للعلاقات الزوجية، رَهْنٌ بنجاحها في حل المشكلات الزوجية، وبإقامة العدالة والتوازن بين حقوق كل من الزوجين وواجباتهما في إطار أحكام الشريعة الإسلامية.
مــادة (44)
تيسير سبل التقاضي وحلّ المنازعات
على الدولة تيسير سبل التقاضي وسرعة الفصل في المنازعات الزوجية وضمان تنفيذ الأحكام فور صدورها وبصورة لائقة وكريمة حرصًا على حسن العلاقات بين الأسر وعلى عدم الإضرار بالأولاد.
مــادة (45)
مسئولية الدولة عن نجاح الترابط الأسري
من مسئوليات الدولة:
1- إقامة نظم التأمينات الاجتماعية بأنواعها المختلفة.
2- الرقابة الرشيدة على وسائل الإعلام ومنع تقديم النماذج السيئة التي تصرف الشباب عن التفكير في الزواج والتي تشجّع على الفساد والانحلال وتؤدي إلى تفكّك الأسر وانهيارها.
3- أن تتضمن مناهج التعليم في مختلف المراحل -كل حسب مستواه- الثقافة العلمية اللازمة لتهيئة كل طالب وطالبة لتكوين أسرة ونجاحها، وفق الضوابط الشرعية.
----------------------
بين الزوجين
الفصل الأول
مــقدمات الــــزواج
مــادة (46)
تعريــف الخِطـــــبة
الخِطبة: هي إبداء الرجل رغبته في الزواج من المرأة وقبولها هي ووليها، لهذه الرغبة، والتواعد على إبرام عقد الزواج مستقبلاً.
مــادة (47)
آثــــــــــار الخطبـــــــة
الخطبة ليست زواجًا ولا شبهة زواج؛ وإنما هي مواعدة على الزواج بين رجل وامرأة، لا تُثبت حقًا ولا تُحِلُّ حرامًا، ولا يَحِلُّ لأحدهما من الآخر سوى النظر إليه عند الخطبة، تحقيقًا للرضاء به، وتظل أجنبية عنه حتى ينعقد العقد.
مــادة (48)
عدم جواز خطبة المرأة المخطوبة
لا يجوز شرعًا لرجل أن يتقدم لخطبة امرأة مخطوبة لغيره، ولا أن يسعى لحَمْلها أو حَمْل أهلها على فَسْخ خطبة غيره ليخطبها لنفسه.
مــادة (49)
عدم جواز خطبة المحرمات من النساء
لا يجوز خطبة امرأة يحرم زواجها على الرجل حرمة مؤبدة بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع، أو محرمة حرمة مؤقتة إلا بعد زوال سبب التحريم، ولا خطبة امرأة في عدة طلاق رجعي لا تصريحًا ولا تلميحًا إلا بعد انتهاء مدة العدة، ولا خطبة امرأة في عدة طلاق بائن أو في عدة الوفاة، إلا تلميحًا لا تصريحًا، ولا خطبة امرأة مشركة حتى تسلم.
مــادة (50)
العدول عن الخطبة وآثاره
يكره شرعًا لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة إلا لمصلحة مشروعة، كنقص ظهر له في دين الآخر أو خلقه أو اعوجاج مسلكه أو لأمر نفسي يصعب احتماله، ويُرْجَعُ إلى الأحكام الشرعية لتحديد حقوق والتزامات كل من الطرفين عند عدول أحدهما.
----------------------
الفصل الثاني
عقـــــــــد الـــــــزواج
مــادة (51)
عوامل نجاح الأسرة
حددت الشريعة الإسلامية معايير للزواج الناجح، ينبغي على كل من الزوجين مراعاتها بما يحقق مصلحة الأمة والأسرة عمومًا، والأطفال على وجه الخصوص.
ومن هذه المعايير: التدين الصحيح، والخلق الكريم، والمنشأ الطيب، ويجوز التماس صفات أخرى معها.
ومن عوامل نجاح الزواج مراعاة التكافؤ في السنّ والثقافة والبيئة الاجتماعية، ومنها خلو الزوجين من الأمراض المنفرة أو المعدية أو الوراثية الخطيرة.
مــادة (52)
متى يكون الزواج واجبًا
تجري على الزواج الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، وتعتبر الشريعة الإسلامية الزواج واجبًا على من يخشى على نفسه الفتنة مع قدرته على حَمْل أعبائه المادية.
مــادة (53)
شروط صحة الزواج
يشترط أن يتم عقد الزواج بحضور شاهدين، وأن يباشر العقد وليّ الزوجة، ويجوز لمن سبق لها الزواج أن تتولى العقد بنفسها إذا ثبت عضل وليها أو فقدت الولي، ويندب الإعلان عن الزواج بإقامة وليمة؛ احتفالاً به وإظهارًا للفرح والسرور.
مــادة (54)
حقّ الاشتراط عند عقد الزواج
يجوز للزوجة أن تشترط على زوجها عند عقد الزواج ما تراه أكفل لراحتها وأوفى بحاجتها من المباحات التي لا تنافي مقتضى عقد الزواج، فلها مثلاً أن تشترط تفويض الطلاق إليها مع عدم الإخلال بحقّ الرجل فيه، أو ألا يخرجها من بلدها أو ألا يتزوج عليها، أو تشترط أن تعمل خارج البيت، ولها أن تحدّد الجزاء المترتب على مخالفة هذا الشرط، وللرجل نفس الحق في الاشتراط، كأن يشترط أن تعيش معه في بيت أهله، أو تسافر معه إلى حيث يعمل.
مــادة (55)
التيسير في تكاليف الزواج
تنهى الشريعة الإسلامية عن المغالاة في المهور، وعن التشدّد في المسائل المادية التي تُحِيل الزواج إلى مساومة مادية تهبط بمنزلة المرأة وبقيمة العلاقة الزوجية باعتبارها رابطة معنوية تقوم على السكن والمودة والتراحم.
----------------------
الفصل الثالث
ضوابط العلاقة بين الزوجــين
مــادة (56)
المساواة بين الزوجين إلا فيما خُصِّص
الأصل العام في الإسلام هو المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وهي مقرّرة شرعًا في الأعم الأغلب من أمور الحياة، والاستثناء هو اختصاص كل منهما ببعض الوظائف التي لا يستطيع الآخر القيام بها، بحكم طبيعة تكوينه البدني والنفسي وخصائصه الذاتية.
وليس ثمة مانع شرعي من توزيع الأعباء الاجتماعية بين الرجل والمرأة بما يحقق المصلحة العامة للأسرة والمجتمع.
مــادة (57)
القيــم المعنوية والأخلاقيــة
استنادًا إلى هذا الأصل العام الوارد في المادة «56» تقوم العلاقة الزوجية على عدد من القيم المعنوية والأخلاقية والضوابط الشرعية الآتية:
1- المودة والرحمة والثقة المتبادلة والتعاون على السراء والضراء.
2- العشرة بالمعروف والإحسان واحترام الكرامة البشرية.
3- الشَّراكة التامة في أمور الحياة الزوجية القائمة على التراضي والتشاور واعتبار كل من الزوجين جزءًا من الآخر ومُكَمِّلاً له ومُتَمِّمًا لرسالته في الحياة الزوجية والاجتماعية.
مــادة (58)
توافر الأهلية والشخصية المستقلة للمرأة
تتمتَّع المرأة في الشريعة الإسلامية بالأهلية الشرعية والقانونية الكاملة، وباحترام إرادتها، وباستقلال ذِمّتها المالية، وباحتفاظها باسم أسرتها.
مــادة (59)
مسئولية الرجل عن الأسرة
للرجل القوامة على الأسرة، باعتبارها وحدة اجتماعية مكونة من عدة أفراد، ولابد لها من رئاسة وإلا فَسَدَ أمرها وتبدّد شملها، والرجل مؤهّل بحكم فطرته وتكوينه البدني والنفسي لحمل تبعات هذه المسئولية ومَشَقَّاتها، وهي ليست قوامة قَهْر وتسلط، ولكنها مسئولية وجوب وتكليف لرعاية الأسرة وحمايتها وصيانتها، وضمان مصالحها المادية وكفالتها بالعمل والكسب وتحصيل المال.
مــادة (60)
مسئولية المرأة في بيتها
يُقَرِّر الإسلام للمرأة نوعًا من القوامة يناسب طبيعتها وتكوينها البدني والنفسي، ويعتبرها راعية ومسئولة مع زوجها عما ترعاه من أمور البيت والأولاد، وهي مسئولية لها مكانتها وخطرها على الأسرة والمجتمع كله، ولا تقلّ أهمية عن مسئولية الرجل، بل أعظم منها في التأثير المعنوي والأخلاقي.
----------------------
الفصل الرابع
الحقوق والواجبات الزوجية المتبادلة
مــادة (61)
تثقيف الشباب بمبادئ الإسلام في الزواج
ضرورة تثقيف الشباب من الجنسين بمبادئ الإسلام وقيمه وآدابه وأصوله في شأن الزواج وأمور التعامل بين الزوجين، ووسائل تكوين حياة زوجية وأسرية صالحة وناجحة.
المبحث الأول : الحقوق والواجبات المشتركة
مــادة (62)
التعاون على المسئوليات الزوجية
على كلّ منهما واجب الإخلاص للآخر والثقة به، والتناصح والتعاون على القيام بمسئوليات الحياة الزوجية ورعاية الأبناء وتربيتهم في كل الظروف والأحوال.
مــادة (63)
الحرص على التفاهم وعدم التنازع
تحثّ الشريعة الإسلامية كلاًّ من الزوجين على فهْم طبيعة الآخر، والوعْي بالفوارق الفطرية والطبيعية والنفسية لكلّ منهما، وبوجود قواسم وسمات مشتركة بينهما، كما تحثّ الشريعة كلاًّ من الزوجين -لنجاح الحياة الزوجية- على الاهتمام بعوامل التوافق والإيجابيات في شخصية الطرف الآخر، وحصْر أسباب الاختلاف، والبحث لها عن حلول وسط يتراضيان عليها، والبعد عن نزغات العناد والإثارة والإفراط في الغيرة وحبّ التغلب على الآخر.
مــادة (64)
الاحترام المتبادل
على كل من الزوجين:
1- واجب احترام الآخر وتقدير متاعبه الحياتية ومراعاة مكانته في الأسرة، وإعانته على تحمل أعبائه وعلى سائر شئونه، واحترام قرابته، واعتبارهم في مكانة قرابته من النسب.
2- مراعاة مشاعر الآخر وتجنب كلّ ما يجرح كرامته وكرامة أسرته، سواء في سرٍّ أو على ملأ من الناس وخاصة أمام أحد من أهله أو أهلها.
مــادة (65)
ضوابط الخلاف بين الزوجين
1- لا يجوز للزوجين فيما بينهما استعمال الشتم والتقبيح وإسماع أحدهما الآخر ما يكره.
2- لا يجوز في حالة الخلاف بين الزوجين إعراض أحدهما عن كلام الآخر أكثر من ثلاثة أيام وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما لا يجوز لأيهما هجر الآخر في الفراش إلا لسبب شرعي وبالشروط الواردة في الأحكام الشرعية.
3- لا يجوز -مهما بلغت درجة الخلاف بين الزوجين- اللجوء إلى استعمال العنف تجاوزًا للضوابط الشرعية المقررة، ومن يخالف هذا المنع يكون مسئولاً مدنيًا وجنائيًا.
4- ينبغي الحرص على إبقاء الخلاف محصورًا بينهما بعيدًا عن الأطفال، وعدم إشاعته بين الأهل والمعارف، ومحاولة حلّه بالتفاهم بينهما، فإن عَجَزَا فبالاحتكام إلى حَكَمَيْن عَدْلَيْن من أهله ومن أهلها.
5- كتمان الأسرار الزوجية؛ إذ يَطَّلِعُ كلٌّ منهما على أَدَقِّ أسرار الآخر، بما لا يَعْلَمُه أحدٌ سواهما إلا الله عز وجل، وإفشاءُ هذه الأسرار ولو بعد الطلاق إثمٌ ومعصيةٌ وخيانةٌ للأمانة.
مــادة (66)
التزام كل منهما بالآداب الإسلامية
يجب على كل من الزوجين:
1- أن يَحثَّ كلٌّ منهما الآخر على التزام طاعة الله والتحلّي بمكارم الأخلاق، ومراقبة الله وخشيته في السر والعلن، وأن يأخذه بأداء حقوق الله كما يأخذه بحقوقه أو أشد، وأن يكون كلٌّ منهما قدوة للآخر وللأبناء في هذا الشأن.
2- أن يُعلِّم كلٌّ منهما الآخر، أو يُيَسِّرَ له تَعَلُّم كل ما يحتاج إليه في إحسان حياته الدنيوية والأخروية.
3- التزام كل منهما بالنظام والنظافة والتطهر في كل شئونهما، ليس فقط نظافة المكان والجسم والثياب، ولكن من باب أولى نظافة النفس وطهارتها ونظافة القلب واليد واللسان من جميع المحرمات والآثام.
4- الحرص على الالتزام بالحلال الطيب، والكسب الحلال وتجنب الحرام مهما كانت مغرياته، والاقتصاد والاعتدال في الإنفاق دون إسراف ولا تقتير، والبعد عن المظاهر والشكليات والتقليد الأعمى للآخرين.
مــادة (67)
حسن الصلة بالناس وخاصة الجيران والأقارب
ينبغي على كل من الزوجين:
1- الحرص على الآداب الشرعية في زيارة الآخرين واستقبالهم ومخالطتهم.
2- الحرص على إحسان الصلة بالناس وخاصة الجيران والأقارب وذوي الأرحام واعتبار قرابة كل منهما في درجة قرابة النسب للآخر.
3- عدم الإزعاج للآخرين خاصة الجيران بأي وجه من أوجه الإزعاج والضوضاء.
4- العناية بالصحة واجتناب العادات الغذائية السيئة، والحرص على استخدام المنتجات الوطنية ومقاطعة منتجات الأعداء.
----------------------
المبحث الثاني : الحقوق الخاصّة للزوجة على زوجه
مــادة (68)
الالتزام بتكاليف الزواج
تفرض الشريعة الإسلامية على الزوج وحده، نفقات الزواج ومهر زوجته وتأثيث بيت الزوجية، ولا تتكلف الزوجة شيئًا من ذلك إلا برضائها وطيب نفسها ومع حفظ حقها فيما تسهم به.
مــادة (69)
المعاملة بالمعروف والإحسان
توجب الشريعة الإسلامية على الزوج أن يعامل زوجته بالمعروف والإحسان ويتحقق ذلك بما يلي:
1- مراعاة فطرتها واختلاف نشأتها ونظرتها لبعض الأمور ومعاملتها باللين والرفق في حلم وهوادة، وأن يهيئ لها المسرات البريئة.
2- عدم منعها من زيارة والديها ومحارمها، إلا في حالة ثبوت ضرر معتبر شرعًا وبقدر تلافي الضرر.
3- الاعتدال في الغيرة عليها دون إفراط ولا تفريط.
مــادة (70)
حــــــق النفقـــــة
للزوجة -ولو كانت ذات مال- الحقّ في الإنفاق عليها بما يكفيها للطعام والشراب والمسكن والملبس والعلاج من الأمراض بقدر استطاعته يُسْرًا وعُسْرًا في غير إسراف ولا تقتير، على النحو الوارد تفصيلاً في الأحكام الشرعية.
مــادة (71)
عمل المرأة خارج البيت
عمل المرأة خارج بيتها في نظر الإسلام أمر مباح أصلاً، وهو ليس غاية في ذاته، ولكنه وسيلة لتحقيق مصلحة الأسرة والمجتمع، وتطرأ عليه أحكام الوجوب والندب والحظر وفْق الظروف والأحوال، وفي كل الحالات يخضع للضوابط الآتية:
1- أن يكون العمل مباحًا شرعًا، ومتفقًا مع مصلحة الجماعة وفطرة المرأة.
2- التفاهم والتراضي بين الزوجين في حدود مصلحة الأسرة دون تكلّف ولا إفراط، مع تحديد العلاقة المالية بين الزوجين على النحو المبين في المادة «76».
3- أولوية مصلحة الأطفال في التربية والرعاية الصالحة باعتبارهم عماد الأمة وجيل المستقبل.
4- الالتزام بالضوابط الأخلاقية الإسلامية للرجل والمرأة.
مــادة (72)
إعانتها في عمل المنزل
إذا اقتضت الظروف أن تعمل الزوجة خارج البيت، فعلى زوجها أن يعينها وأن يهيّئ لها سبل أداء عملها وإحسانه كما يعينها على أداء الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال.
----------------------
المبحث الثالث : حقوق الزوج الخاصة على زوجته
مــادة (73)
طاعته في المعروف
للزوج على زوجته أن تطيعه في المعروف، وهو كل أمر مباح شرعًا ولا يصيبها منه ضرر أو إيذاء.
مــادة (74)
عدم الإسراف في الإنفاق
يجب عليها أن تتّقي الله في ماله وأن تنفق منه بقدر حاجتها وحاجة أولادها بحكمة وتبصُّر دون إسراف ولا تبذير، وألا تتصرّف في شيء منه إلا بإذنه، أو فيما يجري به العرف والعادة.
مــادة (75)
حكم كتابة ( الله ... محمد ) في ورقة أو لوحة ونحوها
وهي على النحو التالي :
الغلاف
فتوى اللجنة الدائمة
فتوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
مقدمة المركز للمطوية - ص 1 -
مقدمة المركز للمطوية - ص 2 -
نماذج لبعض الأشكال المخالِفة
انشر .. ولك - بإذن الله - الأجـر
رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ، فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ الله، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ، وَظُلْمٌ لا يَتْرُكُهُ، فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ الله فَالشِّرْكُ، قَالَ الله: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ فَظُلْمُ العِباَدِ أَنْفُسَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ الله فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتَّى يُدَبِّرُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ". [/b][b]أخرجه الطيالسي (ص 282 ، رقم 2109) . وأخرجه أيضًا: أبو نعيم فى الحلية (6/309) ، وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (4 / 560).
المبحث الأول التهجد وقيام الليل
ثانياً: صلاة التهجد سنة مؤكدة(2)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة
ثالثاً: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية
رابعاً: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر
سابعاً: الأسباب المعينة على قيام الليل
ثامناً صلاة النهار والليل المطلقة:
تاسعاً: جواز صلاة التطوع جالساً:
يقال:
هجد الرجل إذا نام الليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجِّد فهو القائم إلى
الصلاة من النوم(1).
ثانياً: صلاة التهجد سنة مؤكدة(2)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة
قال الله -عز وجل- في صفة عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 64]. وقال الله –عز وجل- في صفة المتقين: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [سورة الذاريات، الآيتان: 17-18] وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سورة السجدة، الآيتان: 16-17]. وقال سبحانه: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [سورة آل عمران، الآية: 113]. وقال سبحانه وتعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [سورة آل عمران، الآية: 17]. ووصف الله –عز وجل- أهل الإيمان الكامل الذين يقومون بالليل بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، فقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [سورة الزمر، الآية: 9]؛ ولعظم شأن صلاة الليل قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [سورة المزمل، الآيات: 1-4].
وقال
سبحانه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [سورة الإسراء، الآية: 79]، وقال –عز وجل-: {إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا
تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً
وَأَصِيلاً، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} [سورة
الإنسان، الآيات: 23-26]. وقال سبحانه وتعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [سورة ق، الآية 40]. وقال عز وجل: {وَمِنَ اللَّيْلِ
فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [سورة الطور، الآية: 49]، وحث عليها النبي صلى
الله عليه وسلم بقوله: ”أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد
الفريضة صلاة الليل“(3).
ثالثاً: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية
1-
عناية النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الليل حتى تفطرت قدماه، فقد كان صلى الله
عليه وسلم يجتهد في القيام اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة – رضي الله عنها - أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا
رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ”أفلا أحب أن أكون عبداً
شَكُورا“(4)، وعن المغيرة – رضي الله عنه - قال: "قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى
تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ”أفلا أكون
عبداً شكورا“"(5).
وقد أحسن القائل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين
قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه
... ... إذا انشق معروف من الفجر
ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
... ... إذا استثقلت بالكافرين
المضاجع(6)
2- من
أعظم أسباب دخول الجنة، فعن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: لما قَدِم النبي
صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِبَلَه، وقيل: قَدِمَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثلاثاً، فجئت في الناس؛ لأنظر، فلما تبيَّنت وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه
كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: "يا أيها الناس، أفشوا السلام،
وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة
بسلام"(7).
وقد أحسن القائل حين قال:
ألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍ
...
... مع الخيرات في غرف الجنان
تعيش مخلداً لا موت فيها
... ... وتنعم في
الجنان مع الحسانِ
تيقظ من منامك إنَّ خيراً
... ... من النوم التهجد
بالقرآن(8)
3- قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة؛ لحديث أبي
مالك الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة
غُرفاً يُرى ظَاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم
الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام(9)، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس
نيام"(10).
4- المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته؛ لأنهم
{كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ} [سورة الذاريات، الآيتان:17، 18].
5- مدح الله أهل قيام الليل
في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن، فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ
لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [سورة الفرقان، الآية:
64].
6-
شهد لهم بالإيمان الكامل فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ
إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ
لا يَسْتَكْبِرُونَ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
خَوْفًا وَطَمَعًا وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة السجدة، الآيات:
15-17].
7- نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم، فقال تعالى:
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ
وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [سورة
الزمر، الآية: 9].
8- قيام الليل مكفِّر للسيئات ومنهاة للآثام؛ لحديث أبي أمامة
–رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”عليكم بقيام الليل فإنه
دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفِّر للسيئات، ومنهاة
للآثام“(11).
9- قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة؛ لحديث أبي هريرة –رضي الله
عنه- يرفعه، وفيه: ”أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد
المكتوبة صلاة الليل“(12).
10- شرف المؤمن قيام الليل؛ لحديث سهل بن سعد –رضي
الله عنه- قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ”يا محمد عش ما شئت
فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به“ ثم قال: ”يا
محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن
الناس“(13).
11-
قيام الليل يُغْبَطُ عليه صاحبه؛ لعظم ثوابه، فهو خير من الدنيا وما فيها؛ لحديث
عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”لا حسد
إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل
آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار“(14)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود
–رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”لا حسد إلا في اثنتين: رجل
آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها
ويعلِّمها“(15).
12- قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة؛ لحديث عبد الله بن
عمرو –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”من قام بعشر آيات
لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من
المقنطرين(16)“(17). وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ”أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفَاتٍ عظام سمانٍ"؟
قلنا: نعم، قال: ”ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام
سمان“(18).
وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم أقصى مدة وأدنى زمن يُختم فيه
القرآن لعبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- عندما سأله، فقال له: ”في أربعين يوماً“
ثم قال: ”في شهر“ ثم قال: ”في خمس عشرة“ ثم قال: ”في عشر“ ثم قال: ”في سبع“(19).
قال: إني أقوى من ذلك، قال: ”لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث“(20).
رابعاً: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر
وصلاة
الليل تجوز في أوله، وأوسطه، وآخره؛ لحديث أنس –رضي الله عنه- قال: ”كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا
يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته“(21).
وهذا يدل على التيسير، فعلى حسب ما تيسر للمسلم يقوم، ولكن الأفضل أن يكون القيام
في الثلث الآخر من الليل؛ لحديث عمرو بن عبسة –رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم يقول: ”أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن
استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن“(22). ومما يزيد ذلك وضوحاً حديث
أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”ينزل ربنا تبارك
وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني
فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ [فلا يزال كذلك حتى يضيء
الفجر]“(23).
وعن جابر – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ”إن في الليل لساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا
والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة“(24).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي
الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ”أحب الصلاة إلى الله صلاة
داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم
ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفرُّ إذا لاقى“(25).
وعن عائشة
– رضي الله عنها- قالت حينما سُئلت: أي العمل كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ(26). وفي
حديثها الآخر – رضي الله عنها-: ”إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوقظه الله
من الليل فما يجيء السَّحر حتى يفرغ من حزبه“(27).
ليس
له عددٌ مخصوص؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ”صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي
أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى“(28).
ولكن الأفضل أن يقتصر على
إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة –
رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين أن يفرغ من
صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلِّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة“(29)؛
ولحديثها الآخر: ”ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره
على إحدى عشرة ركعة“(30).
1-
ينوي عند نومه قيام الليل وينوي بنومه التَّقَوِّي على الطاعة ليحصل على الثواب على
نومه؛ لحديث عائشة – رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”ما من
امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه صدقة
عليه“(31). ولحديث أبي الدرداء – رضي الله عنه- يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ”من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبتْهُ عيناه حتى أصبح،
كُتِبَ له ما نوى، وكان نومُهُ صدقةً عليه من ربه عز وجل“(32).
2- يمسح النوم عن
وجهه عند الاستيقاظ، ويذكر الله، ويتوسل ويقول: ”لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا
الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربِّ اغفر لي“؛ لحديث
عبادة بن الصامت – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”من تعارَّ من
الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء
قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا
بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب
[له](33)“(34).
وفي
حديث ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: ”... استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم
فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل
عمران...“(35)، وعن حذيفة – رضي الله عنه- قال: ”كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا
قام من الليل يشوص فاه بالسواك“(36)، ويقول أذكار الاستيقاظ من النوم الأخرى(37)،
ويتوضأ كما أمره الله تعالى.
3- يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين؛ لفعل النبي صلى
الله عليه وسلم وقوله؛ لحديث عائشة – رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين"(38)؛ ولحديث أبي
هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”إذا قام أحدكم من الليل
فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين“(39).
4- يُستحب أن يكون تهجده في بيته؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهجَّد في بيته؛ ولحديث زيد بن ثابت – رضي الله عنه-
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”...فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة
المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة“(40).
5-
المداومة على قيام الليل وعدم قطعه، يُستحب أن يكون للمسلم ركعات معلومة يداوم
عليها، فإذا نشط طوَّلها وإذا لم ينشط خفَّفها، وإذا فاتته قضاها؛ لحديث عائشة –
رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن
الله لا يملُّ حتى تملوا“ وكان يقول: ”أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن
قلّ“(41)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- قال: قال لي النبي
صلى الله عليه وسلم: ”يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام
الليل“(42). ولحديث عائشة – رضي الله عنها- قالت: "...وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا صلى صلاة أحبّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل
صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة"(43)؛ ولحديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة
الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل“(44).
6- إذا غلبه النعاس
ينبغي له أن يترك الصلاة وينام حتى يذهب عنه النوم؛ لحديث عائشة – رضي الله عنها-
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه
النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه“(45)؛ ولحديث أبي
هريرة – رضي الله عنه- يرفعه: ”إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه
فلم يدرِ ما يقول فليضطجع“(46).
7-
يُستحب له أن يوقظ أهله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل فإذا أوتر
قال لعائشة – رضي الله عنها-: ”قومي فأوتري يا عائشة“(47)؛ ولحديث أبي هريرة – رضي
الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”رحم الله رجلاً قام من الليل
فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من
الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء“(48). وعن أبي سعيد وأبي
هريرة – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”إذا استيقظ الرجل
من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيراً
والذاكرات“(49).
وعن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه
وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً فقال: ”ألا تصليان“؟ فقلت: يا
رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى
الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مدبرٌ يضرب فخذه
ويقول: {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ
جَدَلاً}(50).
قال ابن بطال – رحمه الله-: "فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك"(51)، وقال الطبري – رحمه الله-: "لولا ما علم النبي صلى الله عليه وسلم من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه، في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالاً لقول الله تعالى(52): {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [سورة طه، الآية: 132]. وقول علي – رضي الله عنه-: "إنما أنفسنا بيد الله" اقتبس علي – رضي الله عنه- ذلك من قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الزمر، الآية: 42]، وقوله "بعثنا" المقصود: أيقظنا(53)، وقوله: "طرقه"، ذكر النووي – رحمه الله- أن الطرق هو الإتيان في الليل، وأن ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لفخذه المختار في معناه: أنه من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار، ولهذا ضرب فخذه، والحديث فيه: الحث على صلاة الليل، وأمر الإنسان صاحبه بها، وتعهد الإمام والكبير رعيته، بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته أو اعتذر إليه بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يعنف إلا لمصلحة(54).
وعن
أم سلمة – رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: استيقظ رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلة فزعاً، فقال: ”سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا
أُنزِل من الفتن؟ أيقظوا صواحب الحجرات – يريد أزواجه- لكي يصلين، رُبَّ كاسية في
الدنيا عارية في الآخرة“. وفي لفظ: ”ماذا أنزل الليلة“؟(55). قال الحافظ ابن حجر –
رحمه الله-: "... فيه التحريض على صلاة الليل وعدم الإيجاب يؤخذ من ترك إلزامهن
بذلك"(56). وفي الحديث استحباب ذكر الله عند الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل
للعبادة، لا سيما عند آية تحدث(57)، قال ابن الأثير – رحمه الله-: "رب كاسية في
الدنيا عارية في الآخرة" هذا كناية عما يقدمه الإنسان لنفسه من الأعمال الصالحة،
يقول: "رُبَّ غني في الدنيا لا يفعل خيراً، وهو فقير في الآخرة، ورُبَّ مُكتسٍ في
الدنيا ذي ثروة ونعمة عارٍ في الآخرة شقيٌّ"(58).
وعن عبد الله بن عمر- رضي الله
عنهما- أن أباه عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر
الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: {وَأْمُرْ
أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ
نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}(59).
8 ـ يقرأ المتهجد جزءًا من القرآن
أو أكثر، أو أقل على حسب ما تيسر مع التدبر لما يقرأ، وهو مخير بين الجهر بالقراءة
والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة أو كان بحضرته من يستمع
قراءته، أو ينتفع بها فالجهر أفضل، وإن كان قريباً منه من يتهجد، أو من يتضرر برفع
صوته، فالإسرار أولى ، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا؛ فليفعل ما
شاء(60).
وقد دلت الأحاديث على هذا كله، فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- قال: "صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ, قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه"(61). وعن حذيفة – رضي الله عنه- قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذ تعوَّذ..."(62)، وعن عوف بن مالك الأشجعي – رضي الله عنه- قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: ”سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة“ ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة"(63). وعن حذيفة – رضي الله عنه- أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام"(64).
وعن
عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- أن رجلاً قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: "هذّاً
كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن،
فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة"(65). وفي لفظ: "كان النبي
صلى الله عليه وسلم يقرؤهن اثنتين اثنتين في كل ركعة" وقال: "عشرون سورة من أول
المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم: {حم} الدخان، و{عَمَّ
يَتَسَاءَلُونَ}(66). وفي لفظ لمسلم: "عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف
عبد الله"(67). وفي لفظ لمسلم: "... هذّاً كهذِّ الشعر؛ إن أقواماً يقرؤون القرآن
لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإن أفضل الصلاة الركوع
والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن
بينهن..."(68).
وعن عائشة – رضي الله عنها- قالت: "قام رسول الله بآية من القرآن
ليلة"(69). وعن أبي ذر – رضي الله عنه- قال: "قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية
حتى أصبح يرددها، والآية: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(70).
وهذا يدل على التنويع في
القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده وعلى حسب الأحوال وقوة
الإيمان.
وأما الجهر بالقراءة والإسرار بها في قيام الليل، فعن عائشة – رضي الله
عنها- أنها سُئلت عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يجهر أم يسرّ؟ فقالت:
"كل ذلك قد كان يفعل ربما جهر وربما أسرَّ"(71). وعن أبي قتادة – رضي الله عنه- أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ”يا أبا بكر، مررت بك وإنك تصلي تخفضُ
صوتك“ قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، قال: ”ارفع قليلاً“ وقال لعمر: ”مررت
بك وأنت تصلي رافعاً صوتك“ فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، قال:
”اخفض قليلاً“(72).
وعن
عائشة – رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقرأ من الليل،
فقال: ”يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا“ وفي
لفظ: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: ”رحمه الله
لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها“"(73). والقرآن إذا صلَّى به الحافظ له بالليل والنهار
ذكره؛ لحديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ”إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن
أطلقها ذهبت“(74). وفي رواية لمسلم: ”وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار
ذكره وإذا لم يقم به نسيه“(75).
9- جواز التطوع جماعة أحياناً في قيام الليل؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جماعة وصلى منفرداً؛ لكن كان أكثر تطوعه منفرداً،
فصلى بحذيفة مرة(76)، وابن عباس مرة(77)، وبأنس وأمه واليتيم مرة(78)، وبابن مسعود
مرة(79)، وبعوف بن مالك مرة(80)، وصلى بأنس وأمه، وأم حرام خالة أنس مرة(81)، وصلى
بعتبان بن مالك وأبي بكر مرة(82)، وأمَّ أصحابه في بيت عثمان مرة(83) ولكن لا يتخذ
ذلك سنة راتبة، وإنما إذا فعل ذلك أحياناً فلا بأس، إلا صلاة التراويح فإن الجماعة
فيها سنة دائمة(84).
10- يختم تهجده بوتر؛ لحديث عبد الله بن عمر – رضي الله
عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً“. وفي
لفظ لمسلم: ”من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً [قبل الصبح] فإن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان يأمر بذلك“(85).
11-
يحتسب النومة والقومة؛ ليحصل على الأجر في جميع أحواله: في النوم واليقظة، وقد
تذاكر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري – رضي الله عنهما- الأعمال الصالحة، فقال
معاذ: يا عبد الله(86) كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوَّقُهُ تفوُّقاً(87)، قال: فكيف
تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب
الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"، وفي رواية: "فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ
القرآن؟ قال: قائماً وقاعداً، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقاً، قال: أما أنا فأقوم
وأنام، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"(88).
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله
تعالى-: "ومعناه أنه يطلب الثواب في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا
قُصد بها الإعانة على العبادة حصَّلت الثواب"(89).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن
عبد الله بن باز – رحمه الله- يقول: "وهذا فيه حسن سيرة الصحابة وغيرتهم، والمذاكرة
فيما بينهم، وفيه الاحتساب حتى النومة والقومة، فالمسلم ينظم وقته، وينظم أموره:
ساعة للقرآن، وساعة لأموره الأخرى، وساعة لأهله..."(90).
12-
طول القيام مع كثرة الركوع والسجود هو الأفضل في صلاة الليل ما لم يشق ذلك أو يسبب
الملل؛ لحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
”أفضل الصلاة طول القنوت(91)“(92)؛ ولحديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أن رجلاً سأله عن عمل يدخل به الجنة، أو بأحب الأعمال إلى الله، فقال: سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ”عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد
لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة“(93)؛ ولحديث ربيعة بن كعب
الأسلمي – رضي الله عنه- قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه
بوضوئه وحاجته، فقال لي: ”سل“ فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ”أوَ غيرَ ذلك“؟
قلت: هو ذاك. قال: ”فأعني على نفسك بكثرة السجود“(94)؛ ولحديث أبي هريرة – رضي الله
عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد
فأكثر الدعاء“(95)؛ ولحديث ابن عباس – رضي الله عنهما- يرفعه إلى النبي صلى الله
عليه وسلم: ”أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن
يُستجاب لكم“(96).
اختلف العلماء – رحمهم الله- لهذه الأحاديث في أيهما أفضل:
طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام؟
فمنهم من قال: كثرة
السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث
فضل السجود آنفة الذكر.
ومنهم من قال: إنهما سواء.
ومنهم من قال: طول القيام
أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفا(97): ”أفضل الصلاة طول
القنوت“(98)، قال الإمام النووي – رحمه الله-: "المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق
العلماء فيما علمت"(99).
وقال
الإمام الطبري – رحمه الله- في قول الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ
اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [سورة الزمر، الآية 9] هو في هذا الموضع قراءة
القارئ قائماً في الصلاة... وقال آخرون: هو الطاعة، والقانت المطيع"(100).
وقال
ابن كثير - رحمه الله-: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا
وَقَائِمًا} أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن
القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود
– رضي الله عنه-: "القانت المطيع لله – عز وجل- ولرسوله صلى الله عليه
وسلم"(101).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: أن تطويل الصلاة قياماً
وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً(102).
وسمعت الإمام عبد
العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله- يقول: "قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل:
طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من
فضل هذا. وكانت صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم معتدلة إن طال القيام أطال السجود
والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون" . وذكر – رحمه
الله- أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا ارتاحت نفسه للتطويل
أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه
وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم
ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي صلاة معتدلة
إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن قصر قصر(103).
وقد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل كثيراً في العبادة، ويتلذذ بها، وربما يقوم في
صلاة الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول له عائشة – رضي الله عنها-: يا رسول الله، لم
تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبداً
شكوراً"(104)، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في ركعة واحدة من قيام
الليل: سورة البقرة، والنساء، وآل عمران(105)، ورآه حذيفة – رضي الله عنه- يصلي
أربع ركعات من الليل قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو
الأنعام(106).
وقالت عائشة – رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان
يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته – تعني بالليل – فيسجد السجدة من ذلك قدر ما
يقرأُ أحَدُكُم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه"(107).
وقد كان صلى الله عليه وسلم
يرتاح لذلك ولا يمل من عبادة ربه – عز وجل- بل كانت الصلاة قرة عينه، فعن أنس – رضي
الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”حُبِّبَ إليّ النساء والطيب،
وجُعِلَت قرة عيني في الصلاة“(108). وكانت الصلاة راحته، فعن سالم بن أبي الجعد
قال: قال رجل: ليتني صليت واسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: ”يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها“(109).
أما الأمة فقال لهم
صلى الله عليه وسلم: ”خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا“(110).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”إن الدين يسر
ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة،
وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا“(111).
وسمعت
سماحة الإمام ابن باز - رحمه الله- يقول: "وهذا يدل على أن الأفضل في حقنا القصد
وعدم التطويل الذي يشق علينا حتى لا نمل، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلي
ويجتهد ويتعبد لكن من غير مشقة، بل يتوسط في الأمور حتى لا يمل العبادة"(112).
سابعاً: الأسباب المعينة على قيام الليل
1-
معرفة فضل قيام الليل، ومنزلة أهله عند الله تعالى، وما لهم من السعادة في الدنيا
والآخرة، وأن لهم الجنة، وقد شهد الله لهم بالإيمان الكامل، وأنهم لا يستوون هم
والذين لا يعلمون، وأن قيام الليل من أسباب دخول الجنة، ورفع الدرجات في غرفها
العالية، وأنه من صفات عباد الله الصالحين، وأن شرف المؤمن قيام الليل، وأنه مما
ينبغي أن يغبط عليه الإنسان المؤمن(113).
2- معرفة كيد الشيطان، وتثبيطه عن قيام
الليل والترهيب من ترك قيام شيء من الليل؛ لحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه-
قال: ذُكِرَ عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح قال: "ذاك رجل بال
الشيطان في أذنه" أو قال: "في أذنيه"(114)؛ ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام
ثلاث عُقدٍ، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله
انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عُقَدُهُ، فأصبح نشيطاً طيب النفس،
وإلا أصبح خبيث النفس كسلان"(115)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو ابن العاص - رضي الله
عنهما- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان
كان يقوم من الليل فترك قيام الليل"(116). ولحديث عبد الله بن عمر - رضي الله
عنهما- أنه رأى رؤيا فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين - رضي الله عنها- فقصَّتها
على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"
فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً(117).
وعن
أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”إن الله يبغض
كل جعظريٍّ جوَّاظ(118)، سخاب(119) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر
الدنيا جاهل بأمر الآخرة“(120).
3- قصر الأمل وتذكر الموت؛ فإنه يدفع على العمل
ويذهب الكسل؛ لحديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله صلى الله
عليه وسلم بمنكبي فقال: ”كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل“. وكان ابن عمر يقول:
"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن
حياتك لموتك"(121).
قال الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى-:
اغتنم في الفراغ
فضل ركوع
... ... فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح رأيت من غير سقم
...
... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة(122)
ولما نُعِيَ إليه عبد الله بن عبد الرحمن
الدارمي الحافظ أنشد:
إن عشت تفجع بالأحبة كلهم
... ... وبقاء نفسك لا أبا لك
أفجع(123)
وقال آخر:
صلاتك نورٌ والعباد رقودٌ
... ... ونومك ضد
للصلاة عنيد
وعمرك غُنْمٌ إن عقلت ومهلةٌ
... ... يسيرُ ويفنى دائباً
ويبيد(124)
وقال بعض الصالحين:
عجبتُ من جسمٍ ومن صحةٍ
... ... ومن
فتىً نام إلى الفجر
فالموتُ لا تؤمن خطفاتُهُ
... ... في ظلم الليل إذا
يسرِي
من بين منقول إلى حفرةٍ
... ... يفترش الأعمال في
القبرِ
وبين مأخوذٍ على غرةٍ
... ... بات طويل الكبر
والفخرِ
عاجله الموتُ على غفلةٍ
... ... فمات محسوراً إلى
الحشرِ(125)
4- اغتنام الصحة والفراغ؛ ليكتب له ما كان يعمل؛ لحديث أبي موسى
– رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”إذا مرض العبد أو سافر
كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً“(126).
فينبغي للعاقل
أن لا يفوته هذا الفضل العظيم، فيهتجد في حال الصحة، والفراغ، والإقامة في الأعمال
الصالحة حتى تكتب له إذا عجز أو شغل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”نعمتان
مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ“(127). وعن ابن عباس – رضي الله عنهما-
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: ”اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك
قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل
موتك“(128).
5- الحرص على النوم مبكراً؛ ليأخذ قوة ونشاطاً يستعين بذلك على قيام
الليل وصلاة الفجر؛ لحديث أبي برزة – رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها(129).
6- الحرص على آداب النوم،
وذلك بأن ينام على طهارة، وإن لم يكن على طهارة توضأ، وصلى ركعتين سنة الوضوء، ثم
يدعو بما ثبت من أذكار النوم، ويجمع كفيه ثم ينفث فيهما ويقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من
جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، ويقرأ آية الكرسي، والآيتين من آخر سورة البقرة، ويكمل
أذكار النوم(130)، وهكذا يكون من أسباب الإعانة على قيام الليل، وعليه أن يأخذ
بالأسباب بأن يضع ساعة عند رأسه تنبهه، أو يوصي من حوله من أهله، أو أقاربه، أو
جيرانه، أو زملائه أن يوقظوه.
7-
العناية بجملة الأسباب التي تعين على قيام الليل، فلا يكثر الأكل، ولا يتعب نفسه
بالنهار بالأعمال التي لا فائدة فيها بل ينظم أعماله النافعة، ولا يترك القيلولة
بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل، ويجتنب الذنوب والمعاصي، وقد ذُكِرَ عن الثوري
– رحمه الله- أنه قال: "حُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته" فالذنوب قد
يحرم بها العبد فيفوته كثير من الغنائم: كقيام الليل، ومن أعظم البواعث على قيام
الليل: سلامة القلب للمسلمين، وطهارته من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا، ومن أعظم
البواعث على قيام الليل: حب الله تعالى وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه وأنه
حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام(131)، ففي الحديث الصحيح عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ”إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله
خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة“(132).
ثامناً صلاة النهار والليل المطلقة:
يصلي
المسلم ما شاء من ليل أو نهار من الصلوات المطلقة في غير أوقات النهي، وتكون صلاته
مثنى مثنى؛ لحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "صلاة الليل والنهار، مثنى مثنى..."(133)، فيصلي المؤمن ما شاء، وقد ثبت من
حديث أنس بن مالك في هذه الآية : {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة
السجدة، الآية: 16] قال: "كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون". وكان الحسن
يقول: "قيام الليل"(134). وعن أنس - رضي الله عنه- أنه قال في قوله تعالى: {كَانُوا
قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [سورة الذاريات، الآية: 17] قال: "كانوا
يصلون في ما بين المغرب والعشاء وكذلك {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ}"(135). وعن حذيفة -
رضي الله عنه- "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى
صلى العشاء الآخرة"(136)، وفي رواية عن حذيفة - رضي الله عنه- قال: متى عهدك بالنبي
صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني
آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت
النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل
فتبعتُه، فسمع صوتي فقال: "من هذا حذيفة"؟ قلت: نعم، قال: "ما حاجتك غفر الله لك
ولأمك"؟ قال: "إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطُّ قبل هذه الليلة استأذن ربَّه أن يسلم
عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل
الجنة"(137). وفي لفظ له: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى
إلى العشاء"(138).
تاسعاً: جواز صلاة التطوع جالساً:
تصح
صلاة التطوع مع القدرة على القيام، قال الإمام النووي – رحمه الله-: "وهو إجماع
العلماء"(139). كما يصح أداء بعض التطوع من قيام وبعضه من قعود(140)، وأما صلاة
الفريضة فالقيام فيها ركن، من تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة(141).
وقد ثبتت
الأحاديث بذلك، ففي حديث عائشة – رضي الله عنها- في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
بالليل، قالت: ”... كان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً
طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم،
وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد...“(142).
وعنها رضي الله عنها قالت: ”ما
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً حتى إذا
كَبّرَ قرأ جالساً حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم
ركع“(143).
وعن حفصة – رضي الله عنها- قالت: ”ما رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم صلى في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعداً، وكان
يقرأ بالسورة فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطول منها“(144).
وصلاة المسلم قائماً
أفضل عند القدرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما- يرفعه: ”صلاة الرجل
قاعداً نصف الصلاة“(145)، ولحديث عمران ابن حصين – رضي الله عنهما- قال: سألت رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً فقال: ”إن صلى قائماً فهو أفضل، ومن
صلى قاعداً فله نصف أجر القائم...“(146).
ويستحب لمن صلَّى قاعداً أن يكون
مُتربِّعاً في حال مكان القيام؛ لحديث عائشة – رضي الله عنها- قالت: ”رأيت النبي
صلى الله عليه وسلم يصلي متربِّعاً“(147). قال الإمام ابن القيم – رحمه الله-:
"كانت صلاته [صلى الله عليه وسلم] بالليل ثلاثة أنواع:
أحدها: وهو أكثرها: صلاته
قائماً.
الثاني: أنه كان يصلي قاعداً ويركع قاعداً.
الثالث: أنه
كان يقرأ قاعداً، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائماً. والأنواع الثلاثة صحَّت
عنه [صلى الله عليه وسلم](148).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن
باز - رحمه الله- يقول: "كانت صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بالليل على أنواع
أربعة كما هو مجموع روايات عائشة - رضي الله عنها-:
1- يصلي قائماً ويركع
قائماً.
2- يصلي وهو قاعد ثم إذا لم يبقَ من القراءة إلا نحوًا من ثلاثين أو
أربعين قام فقرأ بها ثم ركع.
3- يصلي وهو قاعد ثم إذا ختم قراءته قام
فركع.
4- يصلي وهو جالس، ويركع وهو جالس"(149).
الصفحة السابقة 1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9 الصفحة التالية
رخصة النشر (Syndication)
16/11/2008 على الساعة 13.00:24
من طرف abouhayder